سؤال كالفينو عن الكتب الكلاسيكية

سؤال كالفينو عن الكتب الكلاسيكية

  • 262
  • 2023/03/16 11:21:09 م
  • 0

 علاء المفرجي

تتسابق دور النشر على نشر كتب الادب الكلاسيكي، ولعل المدى من الدور التي أسهمت بشكل كبير في نشر عيون الادب الكلاسيكي، من خلال سلسلة نوبل التي صدرت عنها الكثير من هذا النوع من المؤلفات.. لماذا الادب الكلاسيكي؟، وماهو الادب الذي يصنف على أنه كلاسيكي؟، في هذا المجال يخوض الاديب الإيطالي ايتالو كالفينو في كتابه (لماذا نقرأ الادب الكلاسيكي)؟،

وهو سؤال أخذ شكل عنوان لعمل أدبي يترجم لأول مرة إلى العربية لإيتالو كالفينو، وينشر بعد وفاته، جامعاً نحو خمسة وثلاثين مقالاً تمت كتابتها خلال السبعينيات والثمانينيات، وظهرت متفرقة في عدة صحف.

الكتاب ضم بين دفتيه كما تقول زوجته (إستر كالفينو) في مقدمتها القصيرة: "معظم مقالات وكتابات كالفينو عن كُتابه وشعرائه الكلاسيكيين الذين أثروا حياته في فترات مختلفة".

يتحدث كالفينو في هذه المقالات بأساليب متنوعة عن مؤلفين مختلفين ينتمون إلى عصور مختلفة: من هومر إلى زينوفون، ومن أوفيد إلى غاليليو، مروراً بـروبنسون كروزو، وفولتير، وستندال، وفلوبير، وديكنز، وكونراد، وبورخيس. محاولاً تقديم بعض المقترحات في توحيد تعريف للكتب الكلاسيكية، التي لن تكون شاملة وموسعة ولكنه يرى فيها مساراً جيداً يمكن فيه إعادة اكتشاف هذه الكتب. ويقدم مقالة موجزة عن إرشاداته لهذه القراءة، يلخص بها تعريفه "للكتاب الكلاسيكي" في 14 جملة، ثم يمضي في توسيعها. مشيراً أولاً: إلى أنه الكتاب الذي يستهدف "واسعي الاطلاع" مثلما ينطبق أيضاً على فئة الشباب البالغين، الذي يشير إليه أغلب الناس بعبارة: "أنا أعيد قراءة...". وليس "أنا أقرأ" ... فالكتاب "الكلاسيكي" هو كتاب يتعمق بداخلك لدرجة أنه يصبح جزءاً منك، وكلما قرأته، اكتشفته أكثر ولن تتعب ولا تمل منه أبداً. وفي كل مرة يتحدث الكتاب بطريقة أخرى.

ثانياً: الكلاسيكيات هي تلك الكتب التي تشكل ثروة لمن قرأها وأحبها. لكنها لا تقل عن ذلك لأولئك الذين وفقهم الحظ لقراءتها للاستمتاع بها أولاً. ففي المدرسة نقرأ في كثير من الأحيان من منطلق الالتزام، وبعيداً عن الواجب، أكثر من الرغبة الحقيقية في المعرفة. القراءة ليست دائماً نتيجة اختيار حر وواع، لذلك يمكن القيام بها على عجل وبلا مبالاة، لكن القراءة الكلاسيكية هي الثراء لكل من الذات والآخرين. إن الكتب الكلاسيكية هي التي تحول "متاعب الحاضر إلى خلفية صوتية، ولا يمكن الاستفادة منها دون تلك الخلفية"، "فهي التي تستمر في عملها كموسيقى خلفية، مهما اشتدت نوازل الدهر".

وهكذا يمضي صاحب "مدن لا مرئية" في شروحاته للكلاسيكيات، التي تكتشف جديداً فيها كلما أعدت قراءتها، وفي الوقت نفسه، فإن قراءتك لها تجعلك تشعر بأنك قد قرأتها من قبل، فالكتاب الكلاسيكي لا ينضب محتواه.

يقول كالفينو: "ينطبق هذا على كل من الكلاسيكيات القديمة والحديثة، وإذا قرأتُ الأوديسة لهومر، فلن أنسى غاية جميع مغامرات يوليسيس على مر القرون". ومن ثم فإن قراءته للكلاسيكيات في هذا الكتاب تمنحنا الفضول في أن نقتفي أثر كتاباته فيما تناوله منها، حيث يسبغ عليها روحاً معاصرة... ففي حديث عن كتاب غاليلو (الكون كتاب) يرى كالفينو "تأكيده على وجود أبجدية مميزة تخص هذا الكتاب"، و"شخصيات تكتبه". ولمزيد من الدقة، يمكن أن نقول: "الرابط المجازي الحقيقي لا يكمن بين الكون والكتاب، بل بين الكون والأبجدية".

ويذكر كالفينو في كتابه السبب الذي جعله يعشق كتابات بورخيس: "لاحظت في كتاباته وجود الأدب باعتباره عالماً يُشيده ويحميه المثقف، وهذه الفكرة تخالف تيار عالم الأدب الرئيس في هذا القرن الذي يسير في اتجاه معاكس". بينما يكون سبب شغفه بهمنغواي أدبه وتوجهه السياسي، ومناهضته الشديدة للفاشية، بدلاً من معارضتها بثقافة بحتة، إنه "رمز معاداة الفاشية عالمياً". مثلما كان يرى في كتاب باسترناك (دكتور جيفاكو) الأكثر تمثيلاً (للاتحاد السوفياتي).

أعلى